القاسم بن إبراهيم الرسي

124

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

كان مستغربا منه ، إنما وجه العجب أن يصدر عن مؤسس دين كبير ، والأديان - عادة - ترتكز في حقيقتها الأولى على التعبد المحض . ونبي الإسلام دعا إلى عبادات شتى ، وأقام دولة ارتكزت على جهاد طويل ضد أعداء كثيرين ، فإذا كان - مع سعة دينه ، وتشعب نواحي العمل أمام أتباعه - يخبرهم بأن أرجح ما في موازينهم يوم الحساب ، الخلق الحسن . فإن دلالة ذلك على منزل الخلق في الإسلام لا تخفى . . . والحق أن الدين إن كان خلقا حسنا بين إنسان وإنسان ، فهو في طبيعته السماوية صلة حسنة بين الإنسان وربه ، وكلا الأمرين يرجع إلى حقيقة واحدة . إن هناك أديانا تبشر بأن اعتناق عقيدة ما ، يمحو الذنوب ، وأن أداء طاعة معينة يمسح الخطايا . لكن الإسلام لا يقول هذا ، إلا أن تكون العقيدة المعتنقة محورا لعمل الخير ، وأداء الواجب ، وأن تكون الطاعة المقترحة غسلا من السوء ، وإعدادا للكمال المنشود . أي أنه لا يمحق السيئات إلا الحسنات التي يضطلع بها الإنسان ، ويرقى صعدا ، إلى مستوى أفضل . وقد حرص النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على توكيد هذه المبادي العادلة ، حتى تتبينها أمته جيدا ، فلا تهون لديها قيمة الخلق ، وترتفع قيمة الطقوس . قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : ( إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة ، وأشرف المنازل ، وإنه لضعيف العبادة ، وإنه ليبلغ بسوء خلقه أسفل درجة في جهنم ) « 1 » . وحسن الخلق لا يؤسس في المجتمع بالتعاليم المرسلة ، أو الأوامر والنواهي المجردة ، إذ لا يكفي في طبع النفوس على الفضائل أن يقول المعلم لغيره : افعل كذا ، أو لا تفعل كذا . فالتأديب المثمر يحتاج إلى تربية طويلة ، ويتطلب تعهدا مستمرا . ولن تصلح تربية إلا إذا اعتمدت على الأسوة الحسنة ، فالرجل السيئ لا يترك في

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير 1 / 260 ( 754 ) .